فخر الدين الرازي
469
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
[ في قوله تعالى وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً وَحَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً ] اعلم أنه تعالى لما بين خساسة الدنيا وشرف القيامة أردفه بأحوال القيامة فقال : وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ والمقصود منه الرد على المشركين الذي افتخروا على فقراء المسلمين بكثرة الأموال والأعوان واختلفوا في الناصب لقوله : وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ على وجوه : أحدها : أنه يكون التقدير واذكر لهم : يَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ عطفا على قوله : وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا [ الكهف : 45 ] . الثاني : أنه يكون التقدير : وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ حصل كذا وكذا يقال لهم : لَقَدْ جِئْتُمُونا كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ لأن القول مضمر في هذا الموضع فكان المعنى أنه يقال لهم : هذا في هذا الموضع . الثالث : أن يكون التقدير : خَيْرٌ أَمَلًا في يَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ والأول أظهر . إذا عرفت هذا فنقول : إنه ذكر في الآية من أحوال القيامة أنواعا . النوع الأول : قوله : وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ وفيه بحثان : البحث الأول : قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر تسير على فعل ما لم يسم فاعله الجبال بالرفع بإسناد تسير إليه اعتبارا بقوله تعالى : وَإِذَا الْجِبالُ سُيِّرَتْ [ التكوير : 3 ] والباقون نسير باسناد فعل التسيير إلى نفسه [ تعالى و ] الجبال بالنصب لكونه مفعول نسير ، والمعنى نحن نفعل بها ذلك اعتبارا بقوله : وَحَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً والمعنى واحد لأنها إذا سيرت فمسيرها ليس إلا اللّه سبحانه . ونقل صاحب « الكشاف » قراءة أخرى وهي تسير الجبال بإسناد تسير إلى الجبال . البحث الثاني : قوله : وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ ليس في لفظ الآية ما يدل على أنها إلى أين تسير ، فيحتمل أن يقال : إنه تعالى يسيرها إلى الموضع الذي يريده ولم يبين ذلك الموضع لخلقه / والحق أن المراد أنه تعالى يسيرها إلى العدم لقوله تعالى : وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً * فَيَذَرُها قاعاً صَفْصَفاً * لا تَرى فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً [ طه : 105 - 107 ] ولقوله : وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا * فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا [ الواقعة : 5 ، 6 ] والنوع الثاني : من أحوال القيامة قوله تعالى : وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً وفي تفسيره وجوه : أحدها : أنه لم يبق على وجهها شيء من العمارات ، ولا شيء من الجبال ، ولا شيء من الأشجار ، فبقيت بارزة ظاهرة ليس عليها ما يسترها ، وهو المراد من قوله : لا تَرى فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً . وثانيها : أن المراد من كونها بارزة أنها أبرزت ما في بطنها وقذفت الموتى المقبورين فيها فهي بارزة الجوف والبطن فحذف ذكر الجوف ، ودليله قوله تعالى : وَأَلْقَتْ ما فِيها وَتَخَلَّتْ [ الانشقاق : 4 ] وقوله : وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها [ الزلزلة : 2 ] وقوله : وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعاً . وثالثها : أن وجوه الأرض كانت مستورة بالجبال والبحار ، فلما أفنى اللّه تعالى الجبال والبحار فقد برزت وجوه تلك البقاع بعد أن كانت مستورة . والنوع الثالث : من أحوال القيامة قوله : وَحَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً والمعنى جمعناهم للحساب فلم نغادر منهم أحدا ، أي لم نترك من الأولين والآخرين أحدا إلا وجمعناهم لذلك اليوم ، ونظيره قوله تعالى : قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ * لَمَجْمُوعُونَ إِلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ [ الواقعة : 49 ، 50 ] ومعنى لم نغادر لم نترك ، يقال : غادره وأغدره إذا تركه ومنه الغدر ترك الوفاء ، ومنه الغدير لأنه ما تركته السيول ، ومنه سميت ضفيرة المرأة بالغديرة لأنها تجعلها خلفها . ولما ذكر اللّه تعالى حشر الخلق ذكر كيفية عرضهم ، فقال : وَعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا وفيه مسألتان : المسألة الأولى : في تفسير الصف وجوه . أحدها : أنه تعرض الخلق كلهم على اللّه صفا واحدا ظاهرين بحيث لا يحجب بعضهم بعضا ، قال القفال : ويشبه أن يكون الصف راجعا إلى الظهور والبروز ، ومنه اشتق